لم استطع اكمال القراءة فقد سمعت صوتاً ما ارعبني .. صوتاً كأنه آتٍ من اعماقٍ الجحيم ستقلب حياتي رأساً على عقِب .. صوتٌ كأنه ....
الشيطان بحد ذاته !! لا تستغربوا فهذا بالضبط ما سمعته وانا اقرأ الكرت ، انه صوتٌ جعل نبضات قلبي تتوقف لثوانٍ معدودة ، تسألون ماهو هذا الصوت ؟! سأخبركم .. أنا لا أعلم ما هذا الصوت بالمختصر البسيط !! ، انه صوتٌ فُجائي يجعلك تعيد التفكير في حياتك منذ لحظة ولادتك !! لا أبالغ صدقوني .. بعد ذلك الصوت الجحيميّ الغريب الذي لا اعلم مصدره رميت الكرت من يدي وكأنه لا يعنيني وركضت بسرعةٍ إلى حيث سريري ، كنت اطلب منه الأمان الذي لم أجده حتى الآن ، لففت الغطاء بالكامل على كامل جسدي و وجهي وكُلّي ، فمن كان يتخيّل أن مثل هذه الأصوات حقيقي ؟! لا أحد كما أظن ، وحيث أنا أرتجف تحت غطائي شعرت لحظتها أنه لا داعي للخوف ما دمت لا أعلم مصدر ذلك الصوت !! مجنونه ؟! أكثر بكثير من مجرد كوني مجنونه ، رفعت الغطاء من على رأسي وأنا اطلُّ من خلفه وشعري المنكوش أخافني أكثر من ذلك الصوت ، اريد أن اقرأ كرت يوسف انه الوحيد الذي يشعرني بذلك الدفء الجميل الذي يسري في دمي ، حاولت أن اغادر السرير لأذهب إلى غرفة الجلوس وآخذ الكرت ولكني خفت السير وسط الظلام !! لحظه واحده انا لم اغلق الأضواء حين دخولي فكيف ... ؟! لحظتها شعرت أنه لا محال أن أغادر مكاني ، وضعت الغطاء ثانيةً على رأسي وكأنني احمي ذاتي من الشرور والأخطار ، هكذا غططت في نومٍ شبه عميق والكوابيس تطاردني ، نهضت في صباح اليوم التالي في تمام الساعة ال١٠ والنصف وأشعر بثقل الأرض بأكملها على كاهلي ، لا أعلم ما السبب ولكن أول ما خطر على بالي هو يوسف وموعد لقائنا غداً !! ، ابتسمت ابتسامةً تدل على الرضى والفرح ، في البداية كنت لا اتذكر لمَ نمت بهذه الطريقه ولكنّي ما إن وقفت ماشيةً إلى الحمام لأغسل وجهي حتى تذكرت ماحدث بالأمس ، ان هذه الآمور ستجلطني قريباً ، قبل ان اغسل وجهي حاولت التفتيش في غرفتي لعلّي اجد ما يدلني على مصدر ذلك الصوت المرعب ، ولكني لم اجد ذلك الذي كنت اتوقع وجوده ، فتنهدت تنهيدةً طويلة وبعدها ذهبت إلى الحمام لأغسل وجهي او بالأحرى سآخذ حماماً ساخناً ، بعد انتهائي من الحمام الساخن غيرت ملابسي *سأبد بسرد تفاصيلٍ اكثر عنّي فأنا أعلم اني لم اخبركم بملامحي او حتى هيأتي الخارجيه ونمط اختياري لملابسي : انا متوسطة الطول ولست نحيفةً ولكن جسدي متناسق جداً ، شعري يصل إلى ما تحت كتفاي بقليل بني اللون لم اصبغه ابداً ، وعيناي .. عيناي واسعتان غالباً ما اسمع المديح عنهما فهما عسليتان و تحيط بهما رموشٌ جميلةٌ طويله ، وثغري لا يوجد ما يميزه فهو كحال معضم البشر ، بشرتي ليست بيضاء وإنما حنطيةٌ مائلةٌ الى البياض قليلاً و دائماً ما تكون وجنتاي حمراوان فأصبح أشبه بالطماطم ، وانفي ايضاً لا يوجد ما احدثكم عنه فهو عادي جداً ، ولكني بشكلٍ عام لست جميلةً فاتنه ، وبهذا تكونون قد عرفتم هيأتي الخارجيه* حيث ارتديت سروالاً من الجينز الغامق نوعاً ما وقميصاً من "الشيفون الناعم" مرقّشاً بزهورٍ صفراء جميله ، واخذت حقيبةً عمليةً غالباً ما آخذها معي بنية اللون وانتعلت حذاءً "اعزكم الخالق" رياضي باللون البيج ، وخرجت مسرعةً الى اي مكانٍ تقودني اليه قدماي فانا صرت اكره المكوث في غرفتي لفتراتٍ طويله لغير النوم !! ، قررت في هذه المرة ان اجلس في مقهى الفندق ، طلبت قهوةً "لاتيه بالكراميل" وجلست على احد الطاولات القريبه من النافذه المطله على الشارع ، فقد كان المقهى مصمماً بطريقةٍ ظريفة حيث ان نصفه في داخل الفندق والنصف الآخر خارجه بطريقةٍ معمارية ذكيه ، فجأه وبينما احتسي قهوتي تذكرت الكرت !! ، حين تفتيشي لغرفتي اتفقدها لا اتذكر اني رأيته فأين هو ؟! شربت القهوة بسرعة ودفعت ثمنها ومباشرةً الى غرفتي ، دخلت ولم اغلق الباب جيداً .. بحثت سريعاً عنه فلم اجده ، ذهبت الى غرفة النوم فلم اجده ايضاً ، عدت الى غرفة الجلوس ولا اعلم كيف خطرت لي فكرة انه قد يكون تحت الأريكة ، خفضت رأسي لأرى .. فاذا به كما توقعت اسفلها ، دسست يدي اليمنى تحت الأريكة محاولةً سحبه ، وبعد مجهودٍ وعناء استطعت إخراجه ، قبل أن أقرأه تنفست الصعداء فالحمدلله أنني وجدته ، جلست على الأرض وأسندت ظهري إلى الأريكة وشرعت أقرأ مافيه - الكرت - .. :
" عزيزتي دُرّه .. اعلمي أن هذا من أصعب الأمور على الإطلاق بالنسبة لي ..
أعتذر بشدةٍ لكِ فلا أستطيع أن أراكِ في موعدنا .. سأحدد موعداً آخر قريباً ..
أتمنى ألا تتضايقي مني ولكنّي أقسم لكِ أنني لا أستطيع كما أخبرتك ..
سأظل أحبك أبداً ودائماً .. أنت وحدك تسكنين مواطن كتماني .. أحبّكِ
المتيّمُ فيكِ : يوسف "
لا اعلم مايجب ان اشرحه عن تفاصيل تعابير وجهي حينها ولكني رغبت في البكاء بشكلٍ مُلّحٍ ازعجني !! ، لا انكر انني قد تضايقت ولكني لم اكرهه بطبيعة الحال ، حاولت إقناع نفسي انه لا بأس بذلك ابداً فهو لن يكذب علي ولابد انه واجه امراً طارئاً جعله يؤجّل الموعد الى وقتٍ آخر لا اعلمه !! ، شعرت بانكسارٍ واضح فانا رغبت بشدةٍ في ملاقاته ، نهضت من على الارض و سحبت حقيبتي التي رميتها حين دخولي الى الغرفه لأبحث عن الكرت ، دسست الكرت فيها ومشيت بطريقةٍ تدلل على تحطمي الكبير ، قررت ان اذهب الى المقهى المعتاد فهو يريحني اكثر من اي مكانٍ اخر ، ذهبت مشياً الى المقهى فقد كنت احتاج الى السير لمسافةٍ ما كي ازيح الانكسار عني ، اعلم وتعلمون انه لم يزل انكساري واضحاً على وجهي ولكني احاول ، وصلت الى المقهى كان خالياً في هذا اليوم فشكرت الرب على ذلك ، جلست حيث اجلس كل مرةٍ فقد اعتدت على تلك الطاولة واشعر انها تبادلني الشعور ذاته !! ، تذكرت اني اتضور جوعاً !! فطلبت لنفسي شطيرةً من جبن الحلوم الذي احبه كثيراً ، جلست آكل بنفسٍ مسدودةٍ ولكني جائعه ، اووه لقد تذكرت خالد ، اين هو ؟! لم يتصل بي اليوم ابداً ولم اره في المقهى كذلك !! .. فكرت في ان اتصل عليه ولكنّي ترددت ، خفت ان ازعجه وهذا الأمر لا احبذه ، ربّااه انا ايضاً لم ازر جدتي ، كل مافعلته وقت تفكيري بتلك الامور هو انني تشبثت في مكاني اكثر !! ، لا ارغب في الذهاب لاي مكان او التحدث مع احد ، كانت تشير الساعة لحظتها الى الثانية عشر والخمسون دقيقه ، فكرت في ان اذهب الى الحديقة التي احبها ولكني فضلت البقاء في المقهى ولا اعلم سبب تصميمي على المكوث فيه اكثر ، جلست و وجهي تملؤه علامات الإحباط و ربما الألم ، لا يعقل ان كلام يوسف قد اثر بي الى هذه الدرجه !! حالتي الآن تجعلني اشعر اني احببته بجنون وانه يخونني وكأني لست بالكاد اعرفه ، في الحقيقة انا لا اعرف عنه شيئاً سوى انه شقيق صديقتي "هدى" .. "سأتصل بهدى الآن لابد انها مستيقظه" هكذا اخبرت نفسي بشكلٍ سريعٍ لا مبالي ، اخرجت هاتفي المحمول فهو دائماً في حقيبتي لا اخرجه الا عند الحاجه ، طلبت رقمها وانتظرت قليلاً و اذا :
هدى : دُرررررره عزيزتي لقد اشتقت اليك كثيييييراً !!
انا *وعلت وجهي ابتسامةٌ عريضه* : حبيبتي هدى انا من اشتاق اليك اكثر .. كيف حالك وكيف هي الكويت ؟! لقد اشتقت الى الكويت وللجميع ... *ترقرقت دموعي عند جفني السفلي حينما تذكرت بلدي الحبيب الكويت ، الحنين إليها يبكيني مع انني هنا منذ اسبوعٍ ويومان فقط !!*
وهكذا استمر الحوار بيننا بين اشتياقٍ وعتاب ، انهينا المكالمة و وعدتها انني سأعاود الاتصال بها لاني اريد اخبارها بالتفاصيل ، انا لا اخفي عن صديقتي الصدوقة شيئاً فهي بئر اسراري ، بعد هذه المكالمه الـ ليست بطويله قررت ان اذهب الى الحديقة خاصةً انني عندما سمعت صوت هدى شعرت بالدفء والراحه القصوى .. شعرت انني بأمان ، كدت ان اسألها عن حال اخوها ولكني منعت نفسي من الحديث خوفاً من ان تفهمني بشكلٍ خاطئ مع علمي انها لن تفهمني بهذا الشكل ، وعند توجهي الى الحديقة واذا به خالد يظهر اخيراً !! ، لا اخفيكم انني سعدت بظهوره المفاجئ فهو الوحيد الذي يساندني في محنتي هنا ، لوّح لي من بعيدٍ كي اراه ، فعاودت التلويح له وكلٌ منا اتجه ناحية الآخر ، تقدّم مني و قال :
خالد : مرحباً دُرّه كيف حالك ؟! *قالها بابتسامةٍ مشرقة*
انا : اهلاً اهلاً يا خالد .. انا بخير والحمدلله وانت ؟! *بادلته الابتسامةالمشرقة*
خالد : وانا كذلك بخير والحمدلله .. لمَ لم تتصلي بي ؟!
انا *وقد احرجني بسؤاله فلا اعلم كيف ارد* : ااا .. هههه لا اعلم لقد كنت انتظرك لتتصل بي !! *بدا وجهي محمراً من شدة الخجل*
خالد : هههههههه وانا ايضاً كنت انتظرك لتتصلي .. دُرّه .. اود سؤالك عن شيء ..
انا : ههه يا للصدف !! .. تفضل
لقد كنا نسير الى الحديقة بينما نتحدث ..
خالد : ما رآيك في يوسف ؟!
احب ذلك الصمت الذي يسبق الكوارث ، ان ما سأخبركم به الآن كارثه !! ، وقتها كنت في مكانٍ اكتساه اللون الابيض بشيءٍ من الجنون ، لا يمتلك تلك الرائحه التي في جميع المستشفيات ، انه لربما استثنائي اكثر، اتعلم عزيزي القارئ حينما تحدّق باللا شيء تشعر انك تكتشف كل شيء ، تبحث عن ذاتك فتجدها فقط في حدود ذلك المكان الذي .. الذي افضله اكثر من اي وقتٍ مضى ، قد يبدو محيّاي بائساً ولكني في قرارة نفسي اجدني اكثر البشر حيويةً ونشاط ، افهم ذاتي اكثر احبها واحتفظ بآرائي لنفسي ، احياناً تعصف بي ذكرياتي واوجاعي وقد احتاج الى ابرةٍ لتسكين أنّاتي ، انا هنا وحيدة سوى منّي انا جبليستي وحبيستي !! ، ان كل ما اخبرتكم به منذ بداية احداثي هي مجرد خيالاتٍ وقناعاتٍ رسخها دماغي ، خالد ويوسف .. مازلت انتظر احدها ليخرجني من هنا ، سأخرج قريباً ولكني لا اعلم الى اين اذهب بعدها ، جدتي مازلت اكرهها ، انا هنا في .. المصح النفسي !!
لقد دخلت الى المصح بعد وفاة والداي مباشرةً ، جدتي انا لست اكرهها وليست تكرهني فقد وصلنا لماهو اكثر من مجرد كره !! ، خالد هو ذاته خالد ، ويوسف هو كذلك يوسف ، ولكننا لسنا في لندن ، انا مازلت في الكويت ، اعلم انكم ستلعنون الساعة التي شرعتم في قراءة ما اكتب ولكن هذا ماحدث ليس لي حيلة ، بعد وفاة والداي اصبح لدي هستيريا البكاء ولان جدتي تكرهني واكرهها قررت ان تأخذني الى المصح النفسي و تتخلص مني ومن بكائي المستمر فهي لا تطيقني ابداً ، ماذا عساي ان افعل ؟! فجأه وبعد ان كنت شخصاً له أناسٌ يحمونه اصبح شخصاً لا احد لي في الدنيا غيري !! ، لقد كنت وحيدةً لا اجد من يطبطب على كتفي و يواسيني ، فمكثت هناك قرابة الشهرين اعاني الوحده ، فنسجت في خيالي من شخصياتٍ اعرفها في حياتي .. قصةً اخرى تخرجني من عالمي القاسي ، ولكنها للاسف كانت اقسى من الواقع وألذ !! ، فانا اعرف يوسف واعرف خالد وكلاهما "في عالم خيالي شخصٌ واحد" ولكني في العالم الواقع لم ألتقِ بهما حتى ذلك اليوم .. اليوم الذي عرفت فيه خالد ويوسف حقيقةً لا مجازاة !!
لقد عرفت معنى ان يحب قلبك شخصان ...
يتبع ...